ابن عجيبة

337

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : الأشياء كلها ، من عرشها إلى فرشها ، حيها وجامدها ، قانتة وساجدة للّه تعالى ، من حيث حسّها الذي هو مقر العبودية ، وغنية عن السجود من حيث معناها ؛ لأنها من أسرار الربوبية . فالعبد ، من حيث فرقه ، عبد خاضع ، ومن حيث جمعه : حر مطاع . قال القشيري : قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي : في ظنّكم وتقديركم . وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز . وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى والصفات العلى في الوجود بحقّ القدم ، وفي وجوده - أي : للأشياء - بنعت الكرم ، وفي القدرة بوصف الشمول ، وفي النظرة بوصف الكمال ، وفي العلم بعموم التعلق ، وفي الحكم بوجود التحقق ، وفي المشيئة بوصف البلوغ ، وفي القضية بحكم النفوذ ، وفي الجبروت بعين العز والجلال ، وفي الملكوت بنعت الجد والكمال . ه . قلت : والحاصل أن المثل الأعلى يرجع إلى كمال ذاته ، تعالى ، وصفاته وأفعاله . ثم ضرب مثلا لقبح الشرك ، بعد بيان علو شأنه ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 28 إلى 29 ] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 29 ) يقول الحق جل جلاله : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا لقبح الشرك وبشاعته ، منتزعا مِنْ أَنْفُسِكُمْ التي هي أقرب شئ إليكم ، وهو : هَلْ لَكُمْ ، معاشر الأحرار ، مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي : من عبيدكم مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال وغيرها . فمن ، الأولى : للابتداء ، والثانية : للتبعيض ، والثالثة : مزيدة ؛ لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي . والمعنى : هل لكم ، من بعض عبيدكم ، شرك فيما رزقناكم ، أي : هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم فيما رزقناكم ؟ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ؛ فتكونون أنتم وهم ، فيما رزقناكم من الأموال ، سواء ؛ يتصرفون فيه كتصرفكم ، ويحكمون فيه كحكمكم ، مع أنهم بشر مثلكم ، حال كونكم تَخافُونَهُمْ أن يستبدوا بالتصرف فيه ، كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي : كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض - فيما هو مشترك بينهم - أن يستبد فيه بالتصرف دونه . أو : تخافونهم أن يقاسموكم تلك الأموال ، أو : يرثونها بعدكم ، كما تخافون ذلك من بعضكم ، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فكيف ترضونه لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد ، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء في استحقاق العبادة ؟ !